المرونة الذهنية: لماذا يصعب علينا التخلي عن فكرة قديمة؟
كلنا سمعنا أن الإنسان كلما كبر صار تغيير أفكاره أصعب… لكن هل هذا عناد فعلًا؟
نقولها عن آبائنا، وعن مديرينا، وأحيانًا عن أنفسنا.
وغالبًا نختصرها في كلمة واحدة: العناد.
أب يصرّ على أن يقف في الطابور ليدفع فاتورته بيده، مع أن ابنته أرته التطبيق ثلاث مرات.
هو ليس غبيًا، ولا يكره الجديد.
الطريقة القديمة يعرفها، ويثق بها، ولا تجعله يشعر أنه مبتدئ من جديد.
العقل يتعلّق بما تعوّد عليه.
المألوف لا يحتاج تفكيرًا في كل خطوة، أما الجديد فيحتاج جهدًا ويحمل شيئًا من القلق.
ولهذا يكون التخلي عن فكرة قديمة غالبًا أصعب من سماع فكرة جديدة.
لماذا؟ لأن القديمة صارت جزءًا من هويتك.
والحل ليس أن تغيّر رأيك كل يوم، بل في شيء أهدأ من ذلك: المرونة الذهنية، أي أن تستطيع سماع فكرة مختلفة وجديدة عليك من دون أن تشعر أنها تهديد شخصي.
ما هي المرونة الذهنية فعلًا؟
في علم النفس، تُعدّ المرونة المعرفية (Cognitive flexibility) واحدة من ثلاث وظائف تنفيذية أساسية في الدماغ، إلى جانب ضبط الاندفاع والذاكرة العاملة، كما تشرح الباحثة أديل دايموند في مراجعتها الشهيرة عام 2013.
وتشمل ثلاثة أشياء تقريبًا:
- تغيير الزاوية: أن ترى الموقف بعين شخص آخر.
- التفكير خارج المعتاد: أن تجد حلًا لا يشبه ما جربته من قبل.
- التكيّف: أن تعدّل خطتك بسرعة حين تتغير الظروف.
لاحظ أن المرونة ليست غياب الرأي.
الشخص المرن قد يملك قناعات قوية.
الفرق أنه يستطيع أن يضعها جانبًا لدقائق، ويسمع غيره بصدق.
لماذا تبدو الفكرة الجديدة كأنها هجوم؟
لأن بعض أفكارنا لم تعد مجرد معلومات، بل صارت جزءًا من «من نحن».
في دراسة نشرها جوناس كابلان وزملاؤه عام 2016، وضع الباحثون أربعين شخصًا في جهاز تصوير الدماغ، وعرضوا عليهم حججًا تعارض قناعاتهم.
بعض هذه القناعات سياسية يتمسكون بها بقوة، وبعضها قناعات عادية لا علاقة لها بالسياسة.
ماذا وجدوا؟
- غيّر المشاركون آراءهم العادية أكثر بكثير من آرائهم السياسية.
- حين هوجمت القناعات السياسية، نشطت مناطق في الدماغ ترتبط بالتفكير في الذات.
- ومن قاوموا التغيير أكثر، ظهر لديهم نشاط أعلى في مناطق مرتبطة بالانفعال، مثل اللوزة الدماغية.
هي دراسة واحدة، على عدد صغير، وصور الدماغ لا «تقرأ» الأفكار.
لكنها تنسجم مع ما نشعر به جميعًا: حين تلامس الفكرة الجديدة هويتنا، لا نناقشها فقط… بل ندافع عن أنفسنا.
هل نصبح أقل مرونة مع العمر؟
في المقولة التي بدأنا بها شيء من الصحة، لكنها ليست القصة كلها.
في مراجعة جمعت 92 عينة من دراسات تابعت الناس سنوات طويلة، وجد برنت روبرتس وزملاؤه عام 2006 أن سمة الانفتاح على التجربة (Openness to experience) ترتفع في المراهقة، ثم تنخفض في الشيخوخة.
إذن الميل إلى المألوف يزداد مع التقدم في السن فعلًا، خاصة في سنوات العمر المتأخرة.
لكن هل هو قدر؟
في دراسة نشرها جوشوا جاكسون وزملاؤه عام 2012، شارك 183 شخصًا بين الستين والرابعة والتسعين في برنامج تدريب على الاستدلال وحل الأنماط لمدة ستة عشر أسبوعًا، مع ألغاز أسبوعية.
مقارنة بمجموعة انتظرت دورها، ارتفع انفتاح المشاركين على التجربة.
هي دراسة واحدة، والأثر متوسط.
لكنها تقول شيئًا مطمئنًا: العمر يجعل المرونة أصعب، لا مستحيلة.
وهذا يتفق مع ما يقوله الواقع: ليس لأن وعينا أبطأ حرفيًا، بل لأن التغيير يحتاج جهدًا، والجهد يصبح أثقل كلما طال تعوّدنا.
ما الذي يبني المرونة، وما الذي لا يبنيها؟
الخبر الجيد أن المرونة تُبنى.
لكن ليس بالطريقة التي تعدنا بها الإعلانات.
في مراجعة شاملة لبرامج «تدريب الدماغ» نشرها دانيال سايمنز وزملاؤه عام 2016، وجد الباحثون أدلة قوية على أن الناس يتحسنون في الألعاب التي يتدربون عليها، وأدلة ضعيفة جدًا على أن هذا التحسن ينتقل إلى الحياة اليومية.
بمعنى آخر: لعبة على الهاتف لن تجعلك أكثر تقبلًا لرأي زميلك.
يبدو أن ما تريد أن تتحسن فيه، يجب أن تتمرن عليه هو نفسه.
موظفة قضت خمس عشرة سنة على نظام قديم في الشركة، ثم جاء نظام جديد.
زملاؤها اشتكوا أسابيع، وهي تطوعت لتتعلمه أولًا.
لم يكن الأمر سهلًا، ولم تكن أذكى منهم.
لكنها جعلت الجديد تمرينًا يوميًا بدل أن تراه تهديدًا.
الخطأ الشائع في فهم المرونة
يظن بعض الناس أن الشخص المرن هو من يوافق الجميع، أو من لا يملك موقفًا أصلًا.
هذا ليس مرونة، بل ذوبان.
المرونة أن تسمع، وتفهم، وتفحص، ثم تقرر.
قد تغيّر رأيك، وقد تبقى عليه وأنت تفهمه أعمق من قبل.
أما من يغيّر رأيه مع كل من يحدّثه، فعقله ليس مرنًا، بل بلا جذور.
الغصن المرن يميل مع الريح، لكن الشجرة تبقى في مكانها.
كيف تتمرن على المرونة؟
- اشرح الرأي المخالف بأفضل صورة: قبل أن ترد، صِغ رأي الطرف الآخر بطريقة يوافق عليها هو. مثال: «أنت ترى أن العمل عن بعد يضعف الالتزام لأن المتابعة أصعب، صح؟».
- افصل الفكرة عن هويتك: قل «أنا أرى حاليًا…» بدل «أنا من الناس الذين…». مثال: «أرى حاليًا أن فرص هذا التخصص في السوق قليلة».
- غيّر الزاوية عمدًا: اسأل كيف يرى المسألة شخص آخر. مثال: كيف يرى ابنك هذا القرار؟ وكيف يراه زبونك؟
- جرّب شيئًا جديدًا صغيرًا كل أسبوع: طريق آخر، أكلة لم تجربها، أو ميزة في هاتفك. مثال: اطلب من ابنتك أن تعلمك شيئًا واحدًا في التطبيق الذي ترفضه.
نموذج ذهني أبسط
- العقل يحب المألوف لأنه أريح، لا لأنه أصح.
- الفكرة القديمة صعبة الترك لأنها صارت جزءًا منك.
- المرونة أن تسمع المختلف من دون أن تشعر بالتهديد، لا أن تتخلى عن رأيك.
- قد تقل مع العمر، لكنها تُبنى بالتمرين في الحياة نفسها، لا في الألعاب.
العالم فعلًا يصبح أعقد بمرور الوقت.
والتعقيد يصنع فرصًا، لكنه يحتاج عقلًا مرنًا حتى يراها.
من يتمسك بأفكار قديمة من دون مراجعة، قد يشعر أن العالم مكان مرهق ومتعب.
لا لأن العالم شرير، بل لأن صورته عنه قديمة.
فاسأل نفسك اليوم: هل أحمي هويتي؟ أم أطوّرها؟
وابدأ بخطوة واحدة: في أول نقاش قادم، أعد صياغة رأي الطرف الآخر قبل أن تردّ عليه.
مصادر للاستزادة
- Executive Functions — Adele Diamond, Annual Review of Psychology, 2013: المراجعة المرجعية عن الوظائف التنفيذية، ومنها المرونة المعرفية.
- Neural correlates of maintaining one's political beliefs in the face of counterevidence — Kaplan, Gimbel & Harris, Scientific Reports, 2016: الدراسة التي تابعت ما يحدث في الدماغ حين تُتحدّى قناعاتنا القوية.
- Patterns of mean-level change in personality traits across the life course — Roberts, Walton & Viechtbauer, Psychological Bulletin, 2006: كيف تتغير سمات الشخصية، ومنها الانفتاح، عبر مراحل العمر.
- Can an old dog learn (and want to experience) new tricks? — Jackson et al., Psychology and Aging, 2012: التجربة التي رفعت الانفتاح على التجربة لدى كبار السن بالتدريب.
- Do "Brain-Training" Programs Work? — Simons et al., Psychological Science in the Public Interest, 2016: المراجعة التي تشرح لماذا لا تنتقل فوائد ألعاب الدماغ إلى الحياة اليومية غالبًا.