أهمية الفاعلية: ما الفرق بين من يؤثّر في العالم ومن يتفاعل معه فقط؟
ما الفرق بين شخص يؤثّر في العالم، وشخص يكتفي بالتفاعل معه؟
زميلان تخرّجا من القسم نفسه، وأخذا الدورة نفسها، ويحملان الشهادة نفسها.
بعد سنتين، أحدهما ما زال ينتظر أن يقول له أحد ما الخطوة التالية.
والآخر بنى لنفسه طريقًا صغيرًا، خطوة بعد خطوة، دون أن ينتظر خريطة كاملة.
الفرق بينهما ليس عاملًا واحدًا طبعًا. ليس الذكاء وحده، ولا الحظ وحده.
لكن هناك عنصرًا أساسيًا يسمّيه علماء النفس الفاعلية (Agency): الإحساس بأنك فاعل، لا متلقٍّ فقط.
الموضوع ليس برمجة ولا تسويقًا بحد ذاته. هذه أدوات، وقيمتها تتغير مع الزمن، خاصة في عصر الذكاء الاصطناعي.
القيمة ليست في الأداة، بل فيمن يستخدمها.
لكن، ما هي الفاعلية فعلًا؟
في الفلسفة، الفاعل هو كائن يملك القدرة على الفعل، والفاعلية هي ممارسة هذه القدرة. والمقصود هنا الفعل المتعمَّد: أن تتحرك لسبب تعرفه، لا أن تُدفع.
وعالم النفس ألبرت باندورا، أحد أبرز من كتبوا في هذا المفهوم، يعرّف الفاعلية بأنها قدرة الإنسان على التأثير في طبيعة حياته وجودتها. ويذكر من أركانها:
- القصد: أن يكون لك هدف تتجه إليه.
- التبصّر: أن تتوقع النتائج وتخطط لها.
- تنظيم الذات: أن توجّه سلوكك نحو ما قررته.
- التأمل في الذات: أن تراجع قدراتك وما تفعله ولماذا تفعله.
لاحظ أن أيًّا من هذه الأركان ليس مهارة تقنية.
الفاعلية حالة ذهنية: أن تقرر أن تمشي باتجاه هدف، حتى لو لم تكن تملك كل الأجوبة.
ليست اندفاعًا أعمى، ولا رفضًا للأنظمة. هي مبادرة تبدأ منك.
لماذا تعلّمنا الانتظار؟
كثير منا تربّى على الامتثال: انتظر التعليمات، واتبع المسار المرسوم.
وهذا ليس خطأ بحد ذاته. الالتزام والنظام قيمتان حقيقيتان.
لكن العالم اليوم سريع التغيّر، ومن يبادر يتقدم غالبًا أسرع ممن ينتظر.
وهنا قصة علمية مثيرة. في ستينيات القرن الماضي، لاحظ الباحثان ستيفن ماير ومارتن سليغمان أن الحيوانات التي تعرضت لضغط لا تستطيع التحكم فيه، توقفت لاحقًا عن محاولة الهرب حتى حين صار الهرب ممكنًا. وسمّيا ذلك العجز المكتسب (Learned Helplessness).
لكن بعد عقود من أبحاث الدماغ، وصل ماير وزملاؤه إلى قراءة معاكسة: السلبية ليست شيئًا نتعلمه، بل هي الاستجابة التلقائية للضغط الطويل. ما نتعلمه فعلًا هو وجود التحكم، وهذا التعلم يُشغّل دوائر في قشرة الفص الجبهي تكبح تلك الاستجابة.
هذه أبحاث على الحيوانات، ولا يصح أن ننقلها إلى البشر حرفيًا. لكن فكرتها ملهمة: الفاعلية لا تُولد معك ولا تُفقد إلى الأبد، بل تُبنى بالتجربة، بمواقف صغيرة تثبت لك أن فعلك يصنع فرقًا.
كيف تبدو الفاعلية في الحياة اليومية؟
موظفة في شركة لاحظت أن الزبائن يسألون الأسئلة نفسها كل يوم. بدل أن تشتكي من التكرار، كتبت دليلًا قصيرًا من صفحة واحدة، وعرضته على مديرها. لم يطلب منها أحد ذلك.
وخريجان ينتظران التعيين منذ سنتين. انتظارهما مفهوم، والأمل حقهما.
لكن أحدهما قرر أن يتعلم برنامجًا محاسبيًا في المساء، وبدأ يأخذ أعمالًا صغيرة لمحلات في منطقته.
لم يتخلَّ عن الانتظار، لكنه لم يجعله خطته الوحيدة.
وهنا الفرق الأعمق: الشخص الفاعل لا يعرّف نفسه بأداة: «أنا مبرمج»، «أنا مسوّق».
بل بطريقة تفكير: «عندي هدف، وسأتعلم ما يوصلني إليه».
ماذا تقول الأبحاث؟
في علم النفس التنظيمي مفهوم قريب اسمه الشخصية المبادِرة (Proactive Personality)، وصفه الباحثان بيتمان وكرانت عام 1993 بأنه ميل ثابت لدى الشخص إلى الفعل من أجل التأثير في بيئته.
وفي تحليل جمع بيانات أكثر من مئة ألف موظف، نُشر عام 2022، ارتبطت المبادرة بالنجاح المهني، لكن بدرجات مختلفة: ارتباطها بالرضا الذاتي عن المسار المهني كان متوسطًا، بينما كان ارتباطها بالراتب والترقية ضعيفًا.
وهذه قراءة صادقة للموضوع: المبادرة تساعد، لكنها ليست عصا سحرية.
والمثير أن جزءًا من أثرها مرّ عبر مساعدة الزملاء والمساهمة فيما يتجاوز حدود الوظيفة. الفاعل الحقيقي لا يتقدم وحده، بل يحرّك من حوله.
وماذا عن الذكاء الاصطناعي؟
الذكاء الاصطناعي يجيب عن الأسئلة، ويكتب، ويحلل.
لكنه، على الأقل حتى الآن، لا يملك نية ذاتية. لا يستيقظ وهو يريد شيئًا.
أما أنت فتملك الهدف، والقرار، والمسؤولية.
لهذا كلما صارت الأدوات أقوى، صار السؤال «ماذا أريد أن أفعل بها؟» أهم من سؤال «كيف أستخدمها؟».
الخطأ الشائع في فهم الفاعلية
- ليست «كل شيء بيدك»: يقول باندورا إن الإنسان صانع للأنظمة الاجتماعية بقدر ما هو نتاج لها. الظروف حقيقية، والفاعلية أن تتحرك داخلها، لا أن تنكرها.
- ليست تمردًا: المبادرة لا تعني كسر القواعد، بل أن تضيف من عندك داخلها.
- ليست فردية بالضرورة: يميّز باندورا بين فاعلية شخصية، وفاعلية «بالوكالة» حين تستعين بمن يملك القدرة، وفاعلية جماعية حين يعمل الناس معًا. أن تطلب المساعدة فعل فاعل أيضًا.
- ليست جلدًا للذات: إذا لم تتحرك بعد، فهذا لا يعني أنك فاشل. يعني فقط أن الخطوة الأولى لم تأتِ بعد.
كيف تمارس الفاعلية؟
- أعد كتابة جملة هويتك: عرّف نفسك بما تحله، لا بالأداة التي تستخدمها. مثال: من «أنا مصممة» إلى «أنا أساعد المحلات الصغيرة لتبدو أفضل».
- هدف واحد وخطوة خلال 48 ساعة: لا تنتظر الخطة الكاملة. مثال: «أريد عملًا في التسويق»، والخطوة: أكتب لثلاثة أشخاص يعملون فيه وأسألهم سؤالًا واحدًا.
- اسأل: ما الذي في يدي؟: اختر موقفًا عالقًا، واكتب شيئًا واحدًا تستطيع فعله فيه. مثال: لا أستطيع تغيير مديري، لكني أستطيع أن أطلب منه توضيح الأولويات.
- اجمع أدلة صغيرة على التحكم: كل مساء اكتب شيئًا واحدًا فعلته وغيّر شيئًا، مهما صغر. مثال: «رتّبت مصاريف الأسبوع»، «أرسلت السيرة الذاتية».
- استعن بغيرك عن قصد: اطلب المساعدة من شخص سبقك في الطريق. مثال: «كيف بدأت؟ وما الذي كنت ستفعله لو بدأت اليوم؟»
نموذج ذهني أبسط
- الأداة تتغير، والفاعلية تبقى.
- الفاعل يبدأ بالهدف، ثم يتعلم الأداة.
- الانتظار ليس خطأ، لكن الانتظار وحده ليس خطة.
- الفاعلية تُبنى بخطوات صغيرة تثبت لك أن فعلك يصنع فرقًا.
لا أحد يملك كل الأجوبة قبل أن يبدأ.
الفرق أن البعض ينتظرها، والبعض يكتشفها في الطريق.
فالسؤال: هل تنتظر مسارًا جاهزًا؟
أم تبني مسارك خطوة خطوة بنفسك؟
اختر اليوم شيئًا واحدًا كنت تنتظر أن يطلبه منك أحد، وافعله قبل أن يُطلب.
مصادر للاستزادة
- Agency — Markus Schlosser, Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2019: المعنى الفلسفي للفاعلية والفعل المقصود، وأهم النقاشات حولهما.
- Social Cognitive Theory: An Agentic Perspective — Albert Bandura, Annual Review of Psychology, 2001: أركان الفاعلية الإنسانية عند باندورا، وأنماطها الثلاثة: الشخصية والوكالة والجماعية.
- Remembering Steven F. Maier — University of Colorado Boulder, 2026: قصة أبحاث العجز المكتسب، وكيف انقلب فهمها بعد عقود من دراسة الدماغ.
- A meta-analysis of proactive personality and career success — Zhang et al., Frontiers in Psychology, 2022: تحليل لبيانات أكثر من مئة ألف موظف عن علاقة المبادرة بالرضا المهني والراتب والترقية.